فصل: ما وقع من أحداث سنة ست وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة خمس وسبعمائة:

ثم دخلت سنة خمس وسبعمائة:
ذكر إغارة عسكر حلب على بلاد سيس:
في أوائل المحرم من هذه السنة، الموافق للعشر الأخير من تموز، أرسل قراسنقر نائب السلطنة بحلب، مع قشتمر مملوكه، عسكر حلب للإغارة على بلاد سيس، فدخلوها في أول الشهر المذكور، وكان قشتمر المذكور ضعيف العقل، قليل التدبير، مشتغلاً بالخمر، ففرط في حفظ العسكر، ولم يكشف أخبار العدو، واستهان بهم، فجمع صاحب سيس جموعاً كثيرة من التتر، وانضمت إليهم الأرمن والفرنج، ووصلوا على غرة إلى قشتمر المذكور، ومن معه من الأمراء وعسكر حلب، والتقوا بالقرب من إياس، فلم يكن للحلبيين قدرة بمن جاءهم، فتولوا يبتدرون الطريق، وتمكنت التتر والأرمن منهم، فقتلوا وأسموا غالبهم، واختفى من سلم في تلك الجبال، ولم يصل إلى حلب منهم إلا القليل، عرايا بغير خيل، وكان صاحب سيس في هذه السنة، هيتوم بن ليفون بن هيتوم، وهو الذي أمسكه أخوه سنباط وسمله، فذهبت عينه الواحدة وبقي أعور حسبما تقدم ذكره في سنة تسع وتسعين وستمائة:
ذكر غير ذلك:
في هذه السنة قطع خبر بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، لكبره وعجزه عن الحركة.
وفيها أفرج عن الحاج بهادر الظاهري، وكان قد اعتقله حسام الدين لاجين الملقب بالملك المنصور.
وفيها هلك قطلوشاه نائب خربندا، قتله أهل كيلان، لأنهم عصوا، وسار قطلوشاه لقتلهم، فكبسوه وقتلوه، وقتل معه جماعة من المغل. وفيها سار جمال الدين أقوش الأفرم بعسكر دمشق وغيره من عساكر الشام، إلى جبال الظنينين، وكانوا عصاة مارقين من الدين، فأحاطت العساكر الإسلامية بتلك الجبال المنيعة، وترجلوا عن خيولهم، وصعدوا في تلك الجبال من كل الجهات، وقتلوا وأسروا جميع من بها من النصيرية والظنينين وغيرهم من المارقين، وطفرت تلك الجبال منهم، وهي جبال شاهقة بين دمشق وطرابلس، وأمنت الطرق بعد ذلك، فإنهم كانوا يقطعون الطريق ويتخطفون المسلمين، ويبيعونهم للكفار. وفيها استدعي تقي الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر، وعقد له مجلس، وأمسك وأودع الاعتقال، بسبب عقيدته، فإنه كان يقول بالتجسيم على ما هو منسوب إلى ابن حنبل.

.ما وقع من أحداث سنة ست وسبعمائة:

ثم دخلت سنة ست وسبعمائة:
ذكر من ملك:
في هذه السنة بلاد المغرب من بني مرينقد تقدم ذكر بني مرين في سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وأنه استقر في الملك منهم يعقوب، ثم ابنه يوسف، ولما كان في هذه السنة قتل أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو ابن حمامة المريني، ملك المغرب، وهو محاصر تلمسان، وكان قد أقام على حصارها سنين كثيرة، ونفدت أقوات أهل تلمسان، ولم يبق عندهم ما يكفيهم شهراً، و أيقنوا بالعطب، ففرج الله عنهم بقتل المريني المذكور، وسبب قتله أنه اتهم وزيره بتعرضه إلى حرمه، واتهم زمام داره، وكان اسمه عنبر، بمواطاة الوزير على ذلك، وأمر بحبس الوزير، وأمر بقتل زمام داره عنبر، ولما أخرج عنبر ليقتل مر بالخدام فقالوا: ما الخبر؟ فقال: أمر بقتلي، وسيقتلكم كلكم بعدي، فهجم بعض الخدام بسكين على أبي يعقوب المذكور، وقد خضب أبو يعقوب لحيته بحناء وهو نائم على قفاه، فضربه الخادم بالسكين في جوفه، وهرب عنه، وأغلق الباب عليه، وكان هناك امرأة لخدمة أبي يعقوب، فصاحت، فدخل أصحابه عليه وبه بعض الرمق، فأوصى إلى ابنه أبي سالم بن أبي يعقوب، ومات، ولما مات أبو يعقوب المذكور جلس في الملك بعده ولده أبو سالم بن يوسف المذكور. ولما ملك أبو سالم، قصده ابن عمه أبو ثابت، عامر بن عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق، وقيل إن أبا ثابت، هو عامر بن عبد الله بن يوسف ابن أبي يعقوب، فيكون ابن أخي أبي سالم، لا ابن عمه، وانضم مع أبي ثابت يحيى بن يعقوب، عم أبي سالم، فلما قارباه، هرب أبو سالم بن يوسف منهما، فأرسلا في إثره من تبعه وقتله، وحمل رأس أبي سالم المذكور إلى أبي ثابت، عامر المذكور. ولما قتل أبو سالم، استقر أبو ثابت عامر في المملكة، وكان جلوسه في الملك في منتصف هذه السنة، أعني سنة ست وسبعمائة. ولما استقر، أمر بقتل الخادم الذي قتل عمه يوسف، فقتل، ثم أمر بقتل الخدام عن آخرهم، فقتلوا وأضرمت لهم النيران وألقوا فيها، ولم يترك أبو ثابت بمملكته خادماً خصياً حتى أباده، ثم إن أبا ثابت المذكور، وثب على عمه يحيى فقتله في ثاني يوم استقراره في الملك، ثم سار أبو ثابت إلى فاس، وأرسل مستحفظاً من بني عمه اسمه يوسف بن أبي عباد إلى مراكش ثم إن يوسف المذكور بعد استمراره في مراكش، خلع طاعة أبي ثابت عامر المذكور، وكان منه ما سنذكره.
ذكر غير ذلك من الحوادث:
وفي، هذه السنة، توفي الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، المعروف بأمير سلاح، وكان بين قطع خبره ووفاته دون أربعة أشهر.

.ما وقع من أحداث سنة سبع وسبعمائة:

ثم دخلت سنة سبع وسبعمائة:
ذكر وفاة عامر ملك المغرب وذكر من تملك بعده:
في أواخر هذه السنة، توفي أبو ثابت عامر بن عبد الله بن يوسف، أبي يعقوب بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن حمامة، ملك المغرب، وكانت مدة ملكه سنة وثلاثة أشهر وأياماً، وقيل سنة ونصفاً، وتوفي بطنجة فإنه لما عصى عليه ابن عمه يوسف بن أبي عباد بمراكش، سار إليه أبو ثابت المذكور، فاقتتل معه يوسف، فانتصر أبو ثابت، وولى يوسف مهزماً، فأخذ أسيراً، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، واستقامت مراكش لأبي ثابت، ثم عاد أبو ثابت المذكور إلى طنجة لقتال قوم بها من الأعراب، فأدركته منيته بها.
ولما مات أبو ثابت، جلس في الملك بعده ابن عمه على بن يوسف، ثم خلعه الوزير وجماعة من العسكر بعد يومين من جلوسه، وأقاموا في الملك سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب ابن عبد الحق بن محيو، وبايعوه، فاستمال الناس وأنفق فيهم الأموال، وزاد في عطيات بني مرين، وأطلق المكوس، وأحسن إلى الرعية، وقبض على علي بن يوسف المخلوع واعتقله بطنجة، واستقرت قدم سليمان في الملك واستقامت له الأمور.
ذكر قتل صاحب سيس وقتل ابن أخيه:
وفي هذه السنة قتل برلغي، وهو مقدم المغل المقيمين ببلاد الروم، صاحب سيس، هيتوم بن ليفون بن هيتوم المقدم ذكره، بعد أن ذبح ابن أخيه تروس الصغير على صدره، واستقر في ملك سيس وبلاد أوشين بن ليفون، أخو هيتوم المذكور، ولما قتله برلغي، مضى أخو هيتوم المذكور، الناق بن ليفون صحبة برلغي، وشكا إلى خربندا، فأمر خربندا ببرلغي فقتل بالسيف.
وفيها عزم سلام على المسير إلى اليمن والاستيلاء عليه، وعينت العساكر للمسير صحبته، وجهزت الآلات في المراكب من عيذاب، ثم أنهى عزمه عن ذلك.
وفيها نزل سيف الدين كراي المنصوري عن إقطاعه بديار مصر، واستقال من الإمرة فأقيل، وبقي بطالاً حتى اتهم عليه مولانا السلطان فيما بعد بإقطاع، وأعطاه نيابة السلطنة بدمشق على ما سنذكره.
وفيها توفي ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي، المعروف بالجالق، أحد البحرية، وكان آخر البحرية، وكان قد أسن.

.ما وقع من أحداث سنة ثمان وسبعمائة:

ثم دخلت سنة ثمان وسبعمائة:
ذكر مسير السلطان إلى الكرك واستيلاء بيبرس الجاشنكير على المملكة:
وفي هذه السنة، في يوم السبت، الخامس والعشرين من شهر رمضان، خرج مولانا السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، محمد بن قلاوون الصالحي، من الديار المصرية متوجهاً إلى الحجاز الشريف، وسار في خدمته جماعة من الأمراء، منهم الأمير عز الدين أيدمر الخطيري، والأمير حسام الدين قرالاجين، والأمير سيف الدين آل ملك، وغيرهم، ووصل إلى الصالحية وعيد بها عيد الفطر ثم سار إلى الكرك، فوصل إليها في عاشر شوال، وكان النائب بها جمال الدين أبقوش الأشرفي، فعمل سماطاً واحتفل به، وعبر السلطان إلى المدينة، ثم إلى القلعة، ولما عبر السلطان على الجسر إلى القلعة والأمراء ماشون بين يديه، والمماليك حول فرسه، وخلفه، سقط بهم جسر قلعة الكرك، وقد حصرت يد فرس مولانا السلطان وهو راكبه، داخل عتبة الباب، فلما أحس الفرس بسقوط الجسر، أسرع حتى كاد أن يدوس الأمراء الماشين بين يديه، وسقط من مماليك مولانا السلطان خمس وثلاثون إلى الخندق، وسقط غيرهم من أهل الكرك، ولم يهلك من المماليك غير شخص واحد، لم يكن من الخواص، ونزل في الوقت مولانا السلطان، خلد الله تعالى ملكه، عند الباب، وأحضر الجنوبات والجبال، ورفع الذين وقعوا عن آخرهم، وأمر بمداواتهم، فصلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه في مدة يسيرة، وكان ذلك من عنوان سعادة مولانا، جعلها الله تعالى خارقة للعوائد. فإن ارتفاع الجسر الذي سقطوا منه إلى الخندق، يقارب خمسين ذراعاً.
ولما استقر مولانا السلطان بقلعة الكرك، أمر جمال الدين أقوش، نائب السلطنة بها، والأمراء الذين حضروا في خدمته، بالمسير إلى الديار المصرية، وأعلمهم أنه جعل السفر إلى الحجاز وسيلة إلى المقام بالكرك، وكان سبب ذلك استيلاء سلار وبيرس الجاشنكير على المملكة، واستبدادهما بالأمور، وتجاوز الحد في الانفراد بالأموال، والأمر والنهي، ولم يتركا لمولانا السلطان غير الاسم، مع ما كان منهما من محاصرة مولانا السلطان في القلعة، وغير ذلك مما لا تنكمش النفس منه، فأنف مولانا السلطان خلد الله ملكه من ذلك، وترك الديار المصرية وأقام بالكرك، ولما وصلت الأمراء إلى الديار المصرية، وأعلموا من بها بإقامة السلطان بالكرك، وفراقه الديار المصرية، اشتوروا فيما بينهم، واتفقوا على أن تكون السلطنة لبيبرس الجاشنكير، وأن يكون سلار مستمراً على نيابة السلطنة كما كان عليه، وحلفوا على ذلك، وركب بيبرس الجاشنكير من داره بشعار السلطنة إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجلس على سرير الملك في يوم السبت الثالث والعشرين من شوال هذه السنة، أعني سنة ثمان وسبعمائة، وتلقب بالملك المظفر ركن الدين بيبرس المنصوري، وأرسل إلى نواب السلطنة بالشام فحلفوا له عن آخرهم، وكتب تقليداً لمولانا السلطان بالكرك، ومنشوراً بما عينه له من الإقطاع بزعمه، وأرسلهما إليه، واستقر الحال على ذلك حتى خرجت هذه السنة.
وفيها ملك الفرنج الاستبتار جزيرة رودس، وأخذتها من الأشكري صاحب قسطنطينية، وصعب بسبب ذلك على التجار الوصول في البحر إلى هذه الديار، لمنع الاستبتار من يصل إلى بلاد الإسلام.
وفيها أرسل صاحب تونس أبو حفص عمر، أسطولاً وعسكر إلى جزيرة جربة، وهي جزيرة في البحر الرومي، ومسيرتها من قابس يوم واحد، ولهذه الجزيرة مخاضة إلى البر، ودور هذه الجزيرة ستة وسبعون يوماً، وكانت بأيدي المسلمين، فتغلب عليها الفرنج وملكوها في سنة ثمانين وستمائة، فلما كانت هذه السنة، أرسل إليهم صاحب تونس عسكراً وقاتلهم، فاستنجد أهل هذه الجزيرة بفرنج صقلية، فلما وصل أسطول صقلية إليهم، عاد أسطول صاحب تونس إليه، ولم يتمكنوا من فتحها.
وفيها مات الأمير خضر ابن الملك الظاهر بيبرس، بباب القنطرة، وكان المذكور قد جهزه السلطان الملك الأشرف خليل ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، إلى القسطنطينية، فبقي فيها. هو وأخوه وأهله مدة، وتوفي سلامش أخوه هناك، ثم عاد خضر المذكور إلى القاهرة وأقام عند باب القنطرة، وتوفي في هذه السنة.

.ما وقع من أحداث سنة تسع وسبعمائة:

ثم دخلت سنة تسع وسبعمائة:
ذكر تجريد العساكر إلى حلب وما ترتب على ذلك:
وفي هذه السنة وصل من مصر الأمير جمال الدين أقوش الموصل، المعروف بقتال السبع، وأصله من مماليك بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل، وكذلك وصل لاجين الجاشنكير، المعروف بالزرتاج وصحبتهما تقدير ألفي فارس من عسكر مصر، وجردني الأمير سيف الدين قبجق نائب السلطنة بحماة، وجرد معي جماعة من عسكر حماة، فسرنا ودخلنا حلب يوم الخميس تاسع عشر ربيع الآخر من هذه السنة، الموافق للخامس والعشرين من أيلول، وكان نائب السلطنة بحلب قراسنقر المنصوري، ووصل أيضاً جماعة من عسكر دمشق، مع الحاج بهادور الظاهري، فأخذ قراسنقر في الباطن يستميل الناس إلى طاعة مولانا السلطان، ويقبح عندهم طاعة بيبرس الجاشنكير، الملقب بالملك المظفر.
ذكر مسير مولانا السلطان من الكرك وعوده إليها:
وفي هذه السنة سار جماعة من المماليك، على حمية من الديار المصرية، مفارقين طاعة بيبرس الجاشنكير، الملقب بالملك المظفر، ووصلوا إلى السلطان بالكرك، وأعلموه بما الناس عليه من طاعته ومحبته، فأعاد السلطان خطبته بالكرك، ووصلت إليه مكاتبات عسكر دمشق يستدعونه، وأنهم باقون في طاعته، وكذلك وصلت إليه من حلب المكاتبات، فسار السلطان بمن معه من الكرك في جمادى الآخرة من هذه السنة، ووصل إلى حمان، وهي قرية قريب من رأس الماء، فعمل جمال الدين أقوش عليه الحيلة، وأرسل إليه قرابغا مملوك قراسنقر برسالة، كذبها على قراسنقر، وكان قرابغا سار إلى الأفرم بمكاتبة تتعلق به بمفرده، فأرسله الأفرم إلى السلطان، فسار من دمشق ولاقى السلطان بحمان، فأنهى قرابغا المذكور ما حمله الأفرم من الكذب، مما يقتضي رجوع مولانا السلطان، فلما سمع مولانا السلطان قرابغا ظنه حقاً، ورجع إلى الكرك، واستمرت العساكر على طاعة مولانا السلطان واستدعائه ثانياً، وانحلت دولة بيبرس الجاشنكير، وجاهره الناس بالخلاف، ولما جرى ذلك، وبلغ العساكر المقيمين بحلب، ساروا من حلب من غير دستور، وسرت أنا بمن معي من عسكر حماة، ودخلت حماة يوم الثلاثاء التاسع عشر من رجب، والثالث والعشرين من كانون الأول.
ذكر مسير مولانا السلطان إلى دمشق واستقرار ملكه بها:
ولما تحقق مولانا السلطان الملك الناصر صدق طاعة العساكر الشامية، وبقائهم على طاعته ومحبته، عاود المسير إلى دمشق، وخرج من الكرك وخرجت عساكر دمشق إلى طاعته، وتلقوه، وأما أقوش الأفرم نائب السلطنة بدمشق، فإنه هرب، ووصل السلطان إلى دمشق في يوم الثلاثاء عاشر شعبان من هذه السنة، الموافق لعشرين من كانون الثاني، وهيئت له قلعة دمشق، فلم ينزل بها، ونزل بالقصر الأبلق، وأرسل الأفرم وطلب الأمان من السلطان، فأمنه، فقدم إلى طاعته إلى دمشق، وسار قبجق من حماة، وسار العسكر الحموي صحبته، وكذلك سار أسندمر بعسكر الساحل، ووصل قبجق وأسندمر ومن معهما من العساكر إلى خدمة السلطان بدمشق، في يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، وقدمت تقدمتي، ومن جملتها مملوكي طقزتمر، في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان المذكور، فحصل من مولانا السلطان القبول والصدقة، والمواعيد الصادقة، بالتصدق علي بحماة، على عادة أهلي وأقاربي، ثم وصل قراسنقر إلى دمشق بعسكر حلب يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان، وكان وصل قبل ذلك سيف الدين بكتمر، المعروف بأمير جاندار، من صفد، ولما تكاملت للسلطان عساكر الشام، أمرهم بالتجهيز للمسير إلى ديار مصر.
ذكر مسير مولانا السلطان إلى ديار مصر واستقراره في سلطنته:
وفي هذه السنة، لما تكاملت العساكر الشامية عند السلطان بدمشق، أرسل إلى الكرك وأحضر ما كان بها من الحواصل، وأنفق في العسكر، وسار بهم من دمشق في يوم الثلاثاء تاسع رمضان من هذه السنة، الموافق لعاشر شباط، ولما بلغ بيبرس الجاشنكير ونائبه ذلك، جرداً عسكراً ضخماً مع برلغي وغيره من المقدمين، فساروا إلى الصالحية، وأقاموا بها، وكان برلغي من أكبر أصحاب الجاشنكير، وكأن الشاعر أراده بقوله:
فكان الذي استنصحت أول خائن ** وكان الذي استصفيت من أعظم العدى

وسارت العساكر في خدمة السلطان، وكان الفصل شتاءً والخوف شديداً من الأمطار وتوحل الأرض، وقدر الله تعالى لنا بالصحو والدفء، وعدم الأمطار، واستمر ذلك حتى وصلنا في خدمته إلى غزة، في يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة، ولما وصل السلطان إلى غرة، قدم إلى طاعته عسكر مصر أولاً فأولاً، وكان ممن قدم أيضاً برلغي وغيره من المقدمين، ومعهم عدة كثيرة من العسكر، ثم تتابعت الأطلاب، وكان يلتقي مولانا السلطان في كل يوم وهو سائر طلب بعد طلب من الأمراء والمماليك والأجناد، ويقبلون الأرض ويسيرون صحبة الركاب الشريف، ولما تحقق بيبرس الجاشنكير ذلك، خلع نفسه من السلطنة، وأرسل مع ركن الدين بيبرس الدواداري، ومع بهادراص يطلب الأمان من مولانا السلطان، وأن يتصدق عليه ويعطيه إما الكرك أو حماة، أو صهيون، وأن يكون معه ثلاثمائة مملوك من مماليكه، فوقعت إجابة السلطان إلى مائة مملوك، وأن يعطيه صهيون، وأتم مولانا السير، وهرب الجاشنكير من قلعة الجبل إلى جهة الصعيد وخرج سلار إلى طاعة مولانا السلطان، والتقاه يوم الاثنين الثامن والعشرين من رمضان، قاطع بركة الحجاج، وقتل الأرض وضرب لمولانا السلطان الدهليز بالبركة في النهار المذكور، وأقام بها يوم الثلاثاء سلخ رمضان، وعيد يوم الأربعاء بالبركة، ورحل السلطان في نهاره والعساكر الشامية والمصرية سائرون في خدمته وعلى رأسه الجتر ووصل إلى قلعة الجبل وسار إليها واستقر على سرير ملكه بعد العصر من نهار الأربعاء، مستهل شوال من هذه السنة، أعني سنة تسع وسبعمائة، الموافق لرابع آذار من شهور الروم، وهي سلطنته الثالثة، وفي يوم الجمعة ثالث شوال، وهو اليوم الثالث من وصول مولانا السلطان، سار سلار من قلعة الجبل إلى الشوبك بحكم أن السلطان أنعم بها عليه، وقطع خبزه من الديار المصرية، وأعطى السلطان نيابة السلطنة بحلب سيف الدين قبجق، وارتجع منه حماة، وسار قبجق من مصر يوم الخميس تاسع شوال، ورسم لعسكر حماة بالمسير معه، وتصدق علي وطيب خاطري بأنه لا بد من إنجاز ما وعدني به من ملك حماة، وإنما أخر ذلك لما بين يديه من المهمات والأشغال المعوقة من ذلك، فسرنا مع قبجق من مصر متوجهين إلى الشام، في التاريخ المذكور ووصلنا إلى حماة يوم الخميس خامس عشر ذي القعدة من هذه السنة، ثم رسم السلطان للأمير جمال الدين أقوش الأفرم بصرخد، فسار إليها، وقرر نيابة السلطنة بالشام لشمس الدين قراسنقر، وقرر حماة للحاج بهادر الظاهري، ثم ارتجعها منه وقرره في نيابة السلطنة بالحصون والفتوحات، بعد عزل أسندمر عنها، وكان قد حصلت بيني وبين أسندمر عداوة مستحكمة، بسبب ميله إلى أخيه، فقصد أن يعدل بحماة عني إليه، فلم يوافقه السلطان إلى ذلك، فلما رأى أن السلطان يتصدق بحماة علي، طلبها أسندمر لنفسه، فما أمكن السلطان منعه منها، فرسم السلطان بحماة لأسندمر، وتأخر حضوره لأمور اقتضت ذلك، وقرر السلطان الأمير سيف الدين بكتمر الجوكاندار في نيابة السلطنة بديار مصر.
ذكر القبض على بيبرس الجاشنكير الملقب بالملك المظفر:
كان المذكور قد هرب من قلعة الجبل، عند وصول مولانا السلطان إلى الصالحية، وأخذ منها جملاً كثيرة من الأموال والخيول، وتوجه إلى جهة الصعيد، فلما استقر مولانا السلطان بقلعة الجبل، أرسل إليه وارتجع منه ما أخذه من الخزائن بغير حق، ثم إن بيبرس المذكور قصد المسير إلى صهيون، حسبما كان قد سأله، فبرز من أطفيح إلى السويس، وسار إلى الصالحية، ثم سار منها حتى وصل إلى موضع بأطراف بلاد غزة يسمى العنصر، قريب الداروم، وكان قراسنقر متوجهاً إلى دمشق نائباً بها، على ما استقر عليه الحال، فوصل إليه المرسوم بالقبض على بيبرس الجاشنكير، فركب قراسنقر وكبسه بالمكان المذكور، وقبض عليه به وسار به إلى جهة مصر، حتى وصل إلى الخطارة، فوصل من الأبواب الشريفة السلطانية أسندمر الكرجي، وتسلم بيبرس الجاشنكير من قراسنمر، وأمر قراسنقر بالعود، فعاد إلى الشام، فوصل أسندمر بيبرس الجاشنكير، فحال وصوله إلى قلعة الجبل، اعتقل، يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة من هذه السنة، فكان آخر العهد به، وكانت مدة سلطنة بيبرس المذكور الملقب بالملك المظفر أحد عشر شهراً:
تفانى الرجال على حبها ** وما يحصلون على طائل

وفيها غلب ببان بن قبجي على مملكة أخيه، فاستنجد وطرده عنها، واتفق موت كبلك عقيب ذلك، وخلف ولداً اسمه قشتمر بن كبلك، فاستنجد قشتمر وطرد عمه ببان، واستقر في ملك أبيه كبلك، وقيل إن الذي طرده ببان هو أخو منغطاي بن قبجي.
وفيها وردت الأخبار بأن الفرنج قصدت ملك غرناطة بالأندلس، وهو نصر ابن محمد بن الأحمر، فاستنجد بسليمان المريني صاحب مراكش، واتقع ابن الأحمر مع الفرنج.
وفيها تزوج خربندا ملك التتر ببنت صاحب ماردين، الملك المنصور غازي ابن قرا أرسلان، وحملت إليه إلى الأردو.
وفيها في يوم الأربعاء خامس ذي الحجة، حضر مهنا بن عيسى إلى حماة، وطلب توفيق الحال بيني وبين أخي، بسبب حماة، فلم يتفق حال.
وفيها في ثامن عشر ذي الحجة، حضر بدر الدين تتليك السديدي إلى حماة، وحكم فيها نيابة عن أسندمر، وحضر صحبته من السلطان أسندمر، وبقي الانتظار حاصلاً لقدوم أسندمر إلى حماة.
وفيها في يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي الحجة خرجت من حماة مظهراً أني متوجه إلى دمشق، لملتقى أسندمر، فأرسلت في الباطن أسأل من صدقات مولانا السلطان، أن يمكني من المقام بدمشق، ومفارقة حماة، فإنه قد كان استحكم في خاطر أسندمر من عداوتي، فخشيت من المقام بحماة تحت حكم المذكور، فتركتها وسرت إلى دمشق، ودخلتها في يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، ووصل أسنبغا مملوكي من الأبواب الشريفة يوم الأربعاء رابع المحرم، من سنه عشر وسبعمائة، بمقامي بدمشق، وتصدق علي السلطان بخلعة كرودوحش، وكلوته رزنش، ورسم لي بغلة من حواصل دمشق، وأن أقيم بدمشق، ويكون خبزي بحماة مستقراً علي، وكذلك أجنادي، وأمرني فاستقريت بدمشق ونزحت عن حماة.